Liberté Toujours!----أحمر

رأينا خطأ يحتمل الصواب... ورأي غيرنا .....زي ما انتو شايفين

صورتي
الاسم:
الموقع: Palestine/World

الأربعاء، فبراير 15، 2006

……لينا التي

مدخل

هنا، يتساقط ثلج خفيف يجبرني على الابتسام وأنا أمر بباب بيتها، أو البيت الذي كان بيت لينا، غير بعيد من هنا سقطت لينا أخرى وما زال دمها حسب أقوال الشاعر يغني رغم أن الغناء في جو المدينة الحالي هو بأحسن الأحوال غير مستحسن

في مكان قريب أيضا (باعتبار أن كل الأماكن قريبة في مدينتنا) ترقد شادية أبو غزالة* في قبر مهمل يتوارى بين أشجار المقبرة (عثرت عليه أو عثرت به ذات مرة صدفة أثناء هروب عبر المقبرة) على مبعدة من تجمع قبور الشهداء فتنساه الأكاليل ويفوته المهرجان الخطابي الذي تتقاسمه التنظيمات يوم العيد، وما زال بالإمكان تبين نقش العلم الفلسطيني الصغير الذي زينه يوم كان هذا العلم تهمة يعاقب عليها القانون (قبل أن نطفح به بهذا الشكل الفج في كل وثائق السلطة ومهرجانات المبايعة)، وبقايا عبارات نقشت على الحجر


أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
…….

يعيدني البياض إلى يوم ثلجي آخر عرفته مدينتنا
كانت أول أيام 1992، وأول مرة يرى فيها أبناء جيلي الثلج يغمر المدينة، فقمنا بتقليد ما كنا نعرفه فقط عبر شاشات التلفاز، فتتطاير الكرات الثلجية في معاركنا السلمية (النادرة في تلك الأعوام)، ونحتار في كيفية بناء رجل ثلج، وكان جنود الاحتلال أيضا فرحين بالثلوج فباتوا أكثر أريحية فاستغللنا الموقف وتجرأنا على الالتفاح بالكوفية دون خوف من كسر أحد الأطراف وطبعا كان هذا التجوال الحر بالكوفية دافعا أقوى لالتقاط الصور من الثلج نفسه
يومها التقطت لها، غصبا، الصورة اليتيمة التي تختفي أحيانا فلا أجدها عندما أبحث عنها في مطاردة للذكريات، أو أجد أثناء البحث صورا أخرى تنكأ بدورها أجزاء أخرى من الذاكرة، لتعود تلك الصورة بالذات وتفاجئني في موضع وزمان
آخرين فتنفض غبار النسيان وتنكأ جرح العار

مقدمة نظّرية

كانت نهاية الثمانينات ومطلع العقد التسعيني، حيث أقنعنا الإعلام وصورنا في التلفاز وإذاعة أحمد جبريل (الإذاعة العربية الفلسطينية على طريق تحرير الأرض والإنسان) وقيادات الثورة أننا أبطال الحجارة وجيل النصر، وعاد مصطلح الانتفاضة بعد أن كان سابقا مرتبطا بهبّة يوم الأرض عام 1976 (وقتها سقطت لينا النابلسي بين من سقطوا، ولم أصدم كالآخرين بمقتلها لكوني لم أكن وقتها قد أفقت بعد من صدمة رؤية النور لأول مرة) .

كنا بين الثانية عشرة والرابعة عشرة من العمر، وكنا نتعثر في خطواتنا الأولى فيما بدا لنا يومها ثورة، ونشعر بالأهمية عندما نطالع أولى الكتب والكراسات الممنوعة ونتناقلها وأشرطة الأغاني الوطنية بسرية رسائل الغرام، نتمثل أنفسنا في كتابات يوليوس فوتشيك ومكسيم غوركي ومحمود درويش، وعندما كانت إلى جواري تتلثم بكوفيتها كنت أتخيل نفسي مكان بافل كورتشيغين (هكذا كان اسمه؟) بطل رواية "كيف سقينا الفولاذ" وحبيبته التي فصلته عنها الأحداث ليعود ويلتقيها مرة أخرى بعد انتصار الثورة وفي مؤتمر الحزب مرتدية بزّة عسكرية

كانت أيام القيادة الوطنية الموحدة "ق و م"، وكان مراهقو وشباب الحارة كل في تنظيم، لكن في مجموعة عمل واحدة، وكان الفارق بين إبن الجبهة وابن فتح أن الأول يعتبر العائلة الغنيّة في حينا برجوازية عفنة ويسرق اللوز من حديقتهم أكثر من الحدائق الأخرى، أو يلقي أحيانا كيس نفايات فيها، في حين كان إبن فتح يعتبرها برجوازية وطنية وأن تحرير فلسطين كفاح وطني وليس صراع طبقي حتى يبتّ أبو عمار في الأمر.. ويشترك كلاهما في اختلاس النظر إلى الإبنة الكبرى عندما تخرج إلى الشرفة ويحاول كلّ لفت نظرها إلى نضاله في الشارع.

كنا نعتبر أنفسنا أبطال الثورة والعمل السرّي (مع أن كل أهل الحي كانوا يعلمون بنشاطنا باعتبار أن بعض الجارات لا يفارقن النوافذ والويل لأحدنا إذا وصل الخبر للأهل)، وكانت تصورنا عن الحريّة هو أن نجول (إلى ما لا نهاية) كأبطال التحرير في شوارع "الوطن المحرّر" في سيارة جيب عسكرية يزينها علم فلسطيني ضخم، وفيها جهاز راديو يبث أغان وطنية بصوت عال، وطبعا مرتدين نظّارات سوداء ويدانا تقبض على بنادق الكلايشنيكوف… تناقض؟ لا، فقد كنا ببساطة أطفالا

لينا

وكانت معنا لينا
لينا كانت أشجعنا في تلك الأعوام التي تبدو في الذاكرة كلها شتوية، ربما لأن رائحة الكوفيات الرطبة التي خبّأناها في المزاريب وفتحات الجدران وبللها المطر، ورائحة المطر عندما يختلط بدخان الإطارات المشتعلة والغاز المسيل للدموع تعلق لمدة أطول بالألبسة، وبالذاكرة

كانت تنظر إليّ بازدراء عندما أرتجف بفعل الخوف أو البرد (لست أدري)، فأذكر عينيها قبل سنوات مضت وهي تصعد بضفيرة شعرها الأجعد باص مدرسة الأطفال وتأخذ مكانها بجانبي، وأتذكّر بافل كورتشيغين فأستجمع ما تبقى من شجاعة حتى لا أسقط من تلك العينين
عينيّ لينا التي كانت آخر من يهرب عندما نختار هدفا سهلا كسيارة الجيب الثلاثي المكشوف (الصرصور)** فتفاجئنا دورية المشاة، فلا تدير ظهرها قبل أن تستقبلهم بحجر أو اثنين
لينا إبنة الرابعة عشرة التي جرّت جثمان الشهيد إلى بيتهم، وعندما مزّق الجنود ذرات الهواء بحثا عن الجثة غطتها ونامت إلى جوارها في السرير، فهزمت ضفائرها الشقراء جندي الاحتلال ولم يقترب

لينا، إبنة الثالثة عشرة التي تهدد التاجر الكبير الذي يسوّق البضائع الإسرائيلية، ويصفعها ولا تخفض عينيها وتتوعده بصوت لا دموع فيه بحرق المتجر قريبا، ولم يحرق المتجر، وإن صرنا في تلك الفترة نعرف مسؤولي التنظيمات من أحذية
وسجائر "تايم" الإسرائيليةالتي يتباهون بها GALI

لينا التي،
لينا التي، ومرت أعوام المطر،

لينا التي ما كادت تكتمل أنوثتها وينمو ثدياها حتى انقضت عليها وتناهشتها "الفهود السود" و"النسور الحمر"، ولم نلاحظ نحن السذّج ابتعادها التدريجي عن عالمنا البريء، ربما لانشغالنا بمراقبة كل شيء وتسليم التقارير الأمنية والأخلاقية، للفهود وللنسور

في مدينتي تنضح الجدران بالحكايا قبل أن تلوكها الأفواه في ساعات الكسل، وفي النهاية قام حماة الثورة من فهود ونسور بالتحقيق مع أنفسهم، وبـ"تأديب" البعض، وبإعلام العائلة، وطوي الملف، وطويت صفحة لينا، تنظيميا

ربط والدها جدائلها الشقراء بقضبان النافذة وانهال عليها لكما وصفعا، وتم (حسب ما قيل) تزويجها لقريب يعمل في السعودية، وطويت صفحتها، عائليا

ونحن؟ نحن خذلناها. لم نعد نتكلم عنها، وبقي القادة هم القادة، وواصلنا تنفيذ أوامر الفهود والنسور، ولم أعد أتمهل في السير عندما أقترب من باب بيتها (كما كنت أفعل طيلة السنين السابقة أملا بأن تكون على العتبة أو في الفناء فأحادثها قليلا)، وخبّأت الصورة في مكان بعيد عن عينيّ أمّي وأيدي أخوتي الصغار
ومرّت التسعينيات والأصفار، وازداد المكان كآبة

.....وبعد

على الرف أضيفت إلى رواية "كيف سقينا الفولاذ" كتب أخرى واحتل المخيّلة أبطال جدد غطت ظلالهم طيف بافل كورتشيغين إلى أن تلاشت بدورها بعد أن تجاوزت سن الانبهار، وتوسع مفهوم الحرّية باطّراد مع ضيق مساحة الوطن ونقص الأكسجين، وشرب قبر شادية أبو غزالة الكثير من ماء المطر وربّما ازداد انطواءا بعد أن توقفت عن وضع الزهور هناك،
الفهود والنسور السابقون يجوبون اليوم شوارع الوطن الذي لم يتحرر في زي رجال الشرطة والأمن، و بجيباتهم التي ترفرف عليها أعلام ضخمة رباعية الألوان لا تذكرني بأعلام تلك الأيام، ومذياعها يبثّ أغاني غريبة، ويرتدون نظاراتهم السوداء ويقبضون أيضا على بنادق الكلايشنيكوف
أما لينا التي تفاجئني دوريا عبر صورتها أو مع أولى طلائع الثلج، فقد ترقد مقطوعة الرأس في قبر مجهول في مكان ما، أو على الأغلب تحت زوجها أيا كان، يهرب إلى حرارة جسدها من رطوبة المكان الخانقة، وربّما تهرب هي من الرطوبة، ومن جسدها، إلى ذكريات أيام المطر

أنظر إلى الثلج يغطي بالتدريج شجرة الصنوبر المقابلة، وأتذكر الانكسار العقائدي الأول


هامش
*
شادية أبو غزالة من أوليات المناضلات الفلسطينيات بعيد انطلاق العمل المسلّح، انخرطت في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. شاركت في الدفاع عن المدينة عام 1967 واستشهدت عام 1968لدى انفجار عبوة ناسفة كانت تقوم بتحضيرها
**
كان الجيب الصغير المكشوف ذو العساكر الثلاثة هدفا سهلا باعتبار سهولة الهرب، حيث يستحيل أن يلاحقك جندي بمفرده، كما لا يمكن أن يلاحقك اثنان تاركين الثالث لحماية السيّارة لوحده، على عكس العربات الكبيرة التي قد يخرج منها عدة جنود يمكنهم الركض خلفك إلى ما لا نهاية أو بالطبع دورية المشاة التي لا ترتبط بعربة وتتمتع بحرية حركة أكبر

10 Comments:

Blogger واحد إفتراضي said...

مدهش..
قصة الصرصور ورياض سلهب أحكيها لاحقا

15 فبراير، 2006 5:13 ص  
Blogger zeryab said...

أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

15 فبراير، 2006 11:38 ص  
Blogger zeryab said...

يبدو أن الثلج يعيد الذكريات بقوة, أنا أعرف الآن لماذا لا تستطيع أن تستعيد الذكريات ههنا في غزة, فلا بياض ولا ما يحزنون, الجو صحراوي في شباط مع إنه زخر بالمطر اليوم, لكن البياض أهم.

البياض مهم أو قل شرط موضوعي لكتابة من قعر الذاكرة, وهذا ما تؤكده لي نصوص الافتراضي الأخيرة عن البياض ولؤي, ونصوص البياض خاصتك عن لينا وشادية يارفيقي الرائع .

بالمناسبة لا أعرف من شادية إلا اسم روضتي في مخيم اليرموك حينما كنت في الثالثة من عمري, وفي سنوات البياض أيضا !

15 فبراير، 2006 11:48 ص  
Blogger أحمر said...

Thanks

Zeryab (sorry no arabic computer now): I didn't think Gaza can be so inspiring, till I have seen the film "The story of the 3 jewels" (7ikayat al jawaher al thalath)
I mean the guy really could show Gaza in a very romantic way..
In Gaza you miss the mountains, in West Bank we miss the sea.. so wa7de bi wa7de

17 فبراير، 2006 1:23 ص  
Blogger zeryab said...

جيد رفيق,

نهدي الأخوة المناظلين في الظفة الغربية أغنية كاميليا جبران, بحب البحر

تحياتي

17 فبراير، 2006 11:54 ص  
Anonymous غير معرف said...

Greetings comrade,
I have being following your blog for a while now, many times I wanted to comment on how inspiring you writings are, sometimes I write, then I change my mind in the last minute so I don’t post it! But today I will!
The thing about your writing is that you hit us with realty so hard we can’t but wake up to it!
One last thing, can I post a link for your blog on yasaree.net (only if you don’t mind)

19 فبراير، 2006 12:07 م  
Blogger أحمر said...

Dear anonymous comrade (al-7abib al majhool),

Sorry I have to write in English again now.

Thanks for your nice words and I hope I keep reading of you. I mean "akhjalet tawadu3i".
Sure you can make a línk! I would be very thankfull! (and more motivated by my more visits hehe). The most important is that we can have somehow a dialog with the comrades everywhere.
Venceremos

20 فبراير، 2006 2:24 ص  
Anonymous غير معرف said...

hello again,
i have posted the link(i'm really glad you aproved)
there is a link for واحد افتراضي and zeryab on the forum but not yours.
this is the link:
http://www.yasaree.net/forums/index.php?showtopic=5469&hl=

20 فبراير، 2006 5:10 ص  
Anonymous غير معرف said...

ohh i see there is a rousso in yasaree, is that you? i hope so
have a good day

20 فبراير، 2006 5:12 ص  
Blogger أحمر said...

yes I entered the site after your writing and made an account

thanks

20 فبراير، 2006 5:31 ص  

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home